عندما يصبح الاجتماع معركة
عندما يصبح الاجتماع معركة يجد المرء نفسه، في بعض مراحل العمر، واقفاً أمام أبواب كثيرة، لا يعرف أيها يفتح
عندما يصبح الاجتماع معركة
يجد المرء نفسه، في بعض مراحل العمر، واقفاً أمام أبواب كثيرة، لا يعرف أيها يفتح،
ولا أيها يترك للريح أن تعصف به حتى يصدأ القفل، وتضيع خلفه أشياء
كان يظن يوماً أنها لا تضيع. وفي رحلة الإنسان الطويلة،
لا تكون كل الخسارات أشياء نملكها ثم نفقدها، فبعض الخسارات تبدأ
من فكرة صغيرة، من موقف عابر، من كلمة قيلت في لحظة غضب،
ثم تكبر مثل كرة الثلج وهي تتدحرج من أعلى الجبل، حتى يصبح من الصعب
على المرء أن يعرف أين بدأت الحكاية، ومن الذي دفعها، ولماذا تركناها
تكبر إلى هذا الحد.
والعائلة واحدة من تلك الأشياء التي يظن الإنسان أنها محصنة من الزمن،
وأن الدم وحده قادر على أن يردم كل فجوة، ويطفئ كل نار،
ويمد جسراً فوق كل وادٍ عميق. لكن الإنسان يكتشف،
بعد أن يطول به الطريق، أن صلة الدم ليست عصا سحرية،
وأن القلوب مثل البيوت؛ تحتاج إلى من يفتح نوافذها، ويدخل إليها الضوء،
ويزيل عنها غبار الأيام، وإلا تحولت حتى البيوت العامرة إلى أماكن يسكنها الصمت.
وكنت أعتقد أن الأخوة شيء أكبر من الاختلاف، وأن اجتماعنا لا ينبغي أن يكون
مشروطاً بأن نتفق، لأن الاتفاق حالة مؤقتة، بينما الأخوة عمر كامل.
كنت أظن أن الإنسان يستطيع أن يغضب من أخيه، وأن يختلف معه،
وأن يبتعد عنه قليلاً، لكنه في النهاية يعود، لأن هناك خيطاً خفياً يشده إلى ذلك المكان،
خيطاً لا تراه العين، ولكنه موجود في أعماق الروح، مثل جذور شجرة قديمة
تضرب في الأرض ولا تظهر فوقها.
لكنني اكتشفت أن بعض الناس ينظرون إلى ذلك الخيط وكأنه قيد،
بينما أراه أنا حبل نجاة.
وهنا تبدأ الحيرة.
-
كيف يمكن لشيء أراه أنا نجاة، أن يراه غيري عبئاً؟
وكيف يمكن لمجلس يجمع الإخوة أن يتحول إلى قضية تحتاج إلى مرافعة، وإلى مبررات، وإلى أسباب، وكأننا لا نتحدث عن عائلة، وإنما عن خصمين التقيا في قاعة محكمة وكل واحد منهما يحمل ملفاً يبحث فيه عن خطأ الآخر؟
إن أكثر ما يؤلم الإنسان ليس أن يختلف معه الآخر، وإنما أن يشعر بأن الآخر لم يعد يرى في الاجتماع قيمة تستحق المحاولة.
فالاختلاف لا يخيفني.
الخلاف لا يخيفني.
حتى الغضب لا يخيفني.
الذي يخيفني هو أن يتحول كل ذلك إلى قناعة تقول: لا داعي لأن نجتمع.
وهذه العبارة، على بساطتها، أشبه بحجر صغير يُلقى في بئر عميقة، ثم يبقى الإنسان منتظراً صوت ارتطامه بالقاع، ولا يأتي الصوت.
لأن بعض الأشياء إذا انكسرت، لا تُسمع لحظة انكسارها.
العائلة لا تنهار في يوم واحد، كما لا تنهار الجبال في لحظة واحدة. قد تبدأ الحكاية بمجلس لم يجتمع، ثم مناسبة لم يحضرها أحد، ثم رسالة لم يُرد عليها، ثم عتاب لم يُسمع، ثم يصبح الغياب عادة، والعادة مسافة، والمسافة جداراً، والجدار مع الوقت يبدو وكأنه كان موجوداً منذ البداية.
وهذه هي الخديعة الكبرى.
أننا نعتاد الغياب حتى نظنه طبيعياً.
نعتاد أن يكون لكل واحد منا طريقه، ومجلسه، وحياته، وحساباته، ثم نستيقظ ذات يوم فنكتشف أن العائلة التي كانت تجمعنا أصبحت مجرد أسماء في الهاتف، وصوراً قديمة في ذاكرة الأجهزة، ووجوهاً نعرف ملامحها أكثر مما نعرف أحوالها.
والإنسان، مهما حاول أن يقنع نفسه بأنه يستطيع العيش منفرداً، يبقى كائناً يبحث عن الآخر؛ يبحث عن وجه يطمئنه، وصوت يعرفه، ومجلس يشعر فيه أنه ليس غريباً بين الغرباء. -
ولذلك لم تكن محاولتي لجمع العائلة بحثاً عن صورة مثالية لا وجود لها، ولم أكن أريد أن نصبح ملائكة لا نختلف، ولا بشراً بلا عيوب. كنت أريد شيئاً أكثر واقعية من ذلك بكثير؛ أن نختلف ونبقى إخوة، أن نزعل ونبقى أهلاً، أن يخطئ أحدنا فنجد له طريقاً للعودة، لا أن نغلق الأبواب وننتظر منه أن يتعلم كيف يعيش خارج البيت.
لأن الإنسان حين يضع كبرياءه أمام أهله، قد يربح موقفاً، لكنه يخسر شيئاً لا يمكن تعويضه.
وما أكثر المواقف التي انتصرنا فيها ثم اكتشفنا لاحقاً أننا كنا نحتفل بانتصار صغير فوق أنقاض شيء أكبر.
وقد يعتقد الإنسان أن التراجع ضعف، وأن الاعتذار هزيمة، وأن مد اليد أولاً انتقاص من الكرامة، بينما الحقيقة أن بعض الأيدي التي تمتد نحو الآخرين لا تبحث عن الهزيمة، وإنما تبحث عن النجاة.
وأحياناً يكون أعظم انتصار للإنسان أن ينتصر على نفسه.
على عناده.
على غضبه.
على رغبته في أن يقول: أنا على حق.
فالحق لا يحتاج دائماً إلى أن نصرخ به، والأخوة لا تحتاج إلى محكمة تثبت من المخطئ ومن المصيب.
يكفي أن نتذكر أننا إخوة.
يكفي أن نتذكر أن الزمن لا ينتظر اكتمال اعتذاراتنا، وأن الموت لا يرسل إشعاراً قبل وصوله، وأن الكرسي الذي تركناه فارغاً في أحد المجالس قد يأتي يوم نجلس أمامه ونتمنى لو عاد صاحبه، ولو لدقائق، ولو لكلمة واحدة، ولو لنظرة تقول: لقد تجاوزنا كل شيء.
وهنا يتساءل الإنسان:
هل نحن الذين نملك الوقت، أم أن الوقت هو الذي يملكنا؟
هل نحن الذين نقرر متى نجتمع، أم أن الأيام هي التي تقرر متى لا نستطيع الاجتماع؟
ولماذا نؤجل الأشياء الجميلة وكأن العمر عقدٌ مفتوح لا تنتهي مدته؟
إنني لا أريد عائلة بلا خلافات، لأنني أعرف أن الاختلاف جزء من طبيعة البشر، ولكنني أريد عائلة لا تسمح للخلاف أن يصبح أقوى من صلة الدم.
أريد أن نعرف أن الباب، مهما أغلقناه، يمكن أن نترك له مفتاحاً.
وأن القلب، مهما امتلأ بالعتب، يستطيع أن يترك مساحة صغيرة للرحمة.
وأن الاجتماع ليس انتصاراً لشخص على آخر، بل انتصار لنا جميعاً على المسافة التي بدأت تكبر بيننا.
وقد يفشل الإنسان في بعض محاولاته، لا لأنه أخطأ حين حاول، وإنما لأن بعض الأبواب لا تُفتح من جهة واحدة.
ومع ذلك، لا أشعر بالندم.
فالذي حاول أن يجمع لا يخسر محاولته، حتى لو لم يجتمع الناس.
والذي مد يده للخير لا ينبغي أن يخجل منها إذا لم تمتد إليه يد أخرى. -
ربما لا نستطيع أن نغير قلوب الآخرين، وربما لا نستطيع أن نجبر أحداً على الاجتماع، ولكننا نستطيع أن نقرر أي نوع من البشر نريد أن نكون عندما تنتهي هذه الحكاية.
أما أنا، فلا أريد أن أكون ذلك الإنسان الذي وقف ذات يوم أمام ذاكرته وسأل نفسه:
لماذا لم أحاول مرة أخرى؟
لماذا تركنا خلافاً صغيراً يأكل سنوات من المحبة؟
لماذا انتظر كل واحد منا الآخر حتى أصبح الانتظار هو الشيء الوحيد الذي جمعنا؟
فالزمن، في النهاية، لا يعيد لنا المجالس التي لم نجلس فيها، ولا الضحكات التي لم نضحكها، ولا الأيدي التي كان يمكن أن تتصافح.
وإذا كان هناك شيء يستحق أن نتنازل من أجله، فهو أن تبقى العائلة عائلة.
لا لأننا متشابهون…
بل لأننا، رغم كل اختلافاتنا، ينبغي ألا ننسى أننا من الجذع نفسه.
والشجرة لا تصبح أقوى حين تتخاصم أغصانها.
إنما قوتها في أن تبقى، رغم الريح، شجرة واحدة.
الكاتب خليفه ابوالريش